كوركيس عواد

62

الذخائر الشرقية

هؤلاء الذين يترددون إلى المكتبة يختلفون اختلافا بينا في علمهم وخلقهم . ولا شك في أن معظم هؤلاء المطالعين ، يقصدون المكتبة للمراجعة والتتبع ، ولكنهم يتفاوتون في مدى ما يجنونه من تلك المطالعة . ذلك أن طائفة منهم تؤم المكتبة للمطالعة « الحقيقية » . وأعني بذلك أن الواحد منهم يجيء وقد وضع له خطة محكمة للمطالعة . فهو أعد أسماء الكتب التي يبتغي مراجعتها تلك الزيارة . وتراه يكب الساعات الطوال على ما جاء من أجله ، حتى ليكاد لا يفرط بشيء من وقته . وما زلت أذكر جماعة كنت معجبا بدأبهم ومثابرتهم على المطالعة ولن يتأتى لي في هذه العجالة إلا التنويه ببعضهم . فمنهم الأساتذة : نجلاء عزّ الدين ، والمرحوم زكي محمد حسن ، وأحمد سوسة ، ومجيد خدوري ، وعبد الحميد العلوجي ، وحسين جميل . وعلى عكس ذلك ، تجد بعض المطالعين ، لا يقر له قرار في المكتبة ما لم يكلم من يجاوره أو يتحرك من موضعه أو يلتمس موضعا آخر يدخن فيه . ولعل من سوء الطالع ، أن يكون هؤلاء أكثر عددا من الصنف الأول الذي ألمحنا إليه . ومن ثمة لن نذكر منهم إلا من كان ذا شأن أدبي مرموق ! . وفي وسعي ، أن أضع على رأس قائمة هؤلاء ، أصدقائي الأعزاء : أحمد حامد الصراف ، ويوسف عزّ الدين ، وعبد الرزاق الحصان « 1 » ، ولعل الأستاذ الحصان - وليأخذني بحلمه - أكثر المطالعين جلبة وأشدهم إزعاجا ! ذلك أنه - أمتعه اللّه بالصحة والعافية - دؤوب على السعال والنحنحة وما تدرج بينهما من أصوات ، وما نجم عنهما من ملمات ! ثم إن طلباته للكتب لا نهاية لها . فهي لا تقوم في الغالب على شيء « معين » من المراجع ، وإنما تطلب الكتب عفو الساعة ! . وتجد جماعة من المطالعين ، مفتقرة إلى مزيد من العلم ، فيأتي طلبها للكتب وفيه الغريب والمضحك أحيانا . والأمثلة على ذلك تفوق الحصر . أذكر بعضها على سبيل التمثيل :

--> ( 1 ) * عبد الرزاق الحصّان ( 1895 - 1964 م ) : كاتب من بغداد ، من رواد الفكر القومي العربي ، له مؤلفات كثيرة منها العروبة في الميزان ( 1933 ) ، نحن ( 1935 ) ، بين الأمس والغد ( 1935 ) ، عربي المستقبل ( 38 - 39 ) ؛ ومن آثاره المحققة : الحسبة ( 1946 ) . ترجمته في : أعلام الأدب في العراق الحديث لمير بصري ص 477 - 478 دار الحكمة - لندن - 1994 .